الشنقيطي
284
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وطرقها إذا طلب ذلك منه . كما أجابوا على حديث جابر بما نقله الشوكاني « 1 » والدارقطني « 2 » من أنه لا تقوم به حجة . ورد أبو حنيفة على دليل الجمهور بأن فرسه مجمل وهو يقول بالحديث إذا كان الفرس للخدمة . أما إذا كانت الخيل للتناسل ، فقد خصها القياس ، وعلى حديث عفوت من الخيل بأنه لم يثبت ، وهذه دعوى تحتاج إلى إثبات ، فقد ذكر الشوكاني أنه حسن « 3 » . ولعل مما يرد استدلال أبي حنيفة نفس الحديث الذي استدل به من قرينة التقسيم ، إذا أناط الأجر فيها بالجهاد عليها ، ولم يذكر الزكاة مع أن الزكاة قد تكون ألزم من الأجر أو أعم من الجهاد لأنها تكون لمن لا يستطيع الجهاد كالمرأة مثلا فتزكي فلو كانت فيها الزكاة لما خرجت عن قسم الأجر . ثانيا : لو كان حق اللّه في المذكور هو الزكاة لما ترك لمجرد تذكرها وخيف تعرض للنسيان ، لأن زكاة الأصناف الثلاثة الأخرى لم تترك لذلك بل يطالب بها صاحبها ، ويأتي العامل فيأخذها ، وإن امتنع صاحبها أخذت جبرا عليه ، وبهذا يظهر رجحان مذهب الجمهور في عدم الوجوب . ومن ناحية أخرى ، فقد اختلف القول عن أبي حنيفة رحمه اللّه فيما تعامل به ، وفيما يخرج في زكاتها ، فقيل : إنه مخير بين أن يخرج عن كل فرس دينارا أو عشرة دراهم ، وبين أن يقومها ويدفع عن كل مائتي درهم خمسة دراهم . وقد جعل الأحناف زكاتها لصاحبها ولا دخل للعامل فيها ولا يجبر الإمام عليها ، وقد أطال في الهداية الكلام عليها ، ولعل أحسن ما يقال في ذلك ما جاء عن عمر رضي اللّه عنه في سنن الدارقطني ، قال : جاء ناس من أهل الشام إلى عمر رضي اللّه عنه ، فقالوا : إنا قد أصبنا أموالا وخيلا ورقيقا ، وإنا نحب أن نزكيه ، فقال : ما فعله صاحباي قبلي فأفعله أنا ، ثم استشار أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقالوا : حسن ، وسكت عليّ ، فسأله ، فقال : هو حسن لو لم تكن جزية راتبة يؤخذون بها بعدك .
--> ( 1 ) نيل الأوطار كتاب الزكاة حديث ( 1 ) 4 / 137 . ( 2 ) سبق تخريجه . ( 3 ) نيل الأوطار كتاب الزكاة حديث ( 1 ) 4 / 136 .